الحلبي
480
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وكان يتطيب بالمسك والغالية ، ويتبخر بالعود والعنبر والكافور ، ويأمر أصحابه بالمشي أمامه . ويقول : « خلو ظهري للملائكة » زاهدا في الدنيا . ما ترك درهما ولا دينارا . توفي ودرعه مرهونة ، وتقدم أنها ذات الفضول عند يهودي وتقدم أنه أبو الشحم على نفقة عياله ، وتقدم أن ذلك كان ثلاثين صاعا من شعير ، وكان الأجل سنة . وكان صلى اللّه عليه وسلم يقول : « اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا » . ما شبع ثلاثة أيام تباعا من خبز البر حتى فارق الدنيا . وعن النعمان بن بشير رضي اللّه عنه قال : لقد رأيت نبيكم صلى اللّه عليه وسلم وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه . وفي رواية : ما شبع يومين من خبز الشعير . أي ومعلوم أن ذلك إنما هو لتتأسى به أمته في الإعراض عن الدنيا . قالت عائشة رضي اللّه عنها : قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إني عرض عليّ أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا ، فقلت : لا يا رب ، أجوع يوما ، وأشبع يوما ، فأما اليوم الذي أجوع فيه فأضرع إليك وأدعوك ، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك » . قال صلى اللّه عليه وسلم : « ما لي وللدنيا ، إنما أنا في الدنيا كرجل سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة حتى مال الفيء فتركها ولم يرجع إليها » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « ما أبالي بما رددت به عني الجوع » ولم ينخل له صلى اللّه عليه وسلم دقيق الشعير . قال : وعن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : والذي بعث محمدا بالحق ما رأى منخلا ، ولا أكل خبزا منخولا منذ بعثه اللّه تعالى إلى أن قبض . فقيل لها : كيف كنتم تصنعون بالشعير ؟ قالت : كنا نقول أف أف انتهى ، أي فيطير ما طار ، وما بقي عجناه : ولا خبز له صلى اللّه عليه وسلم مرقق . ولا أكل النقي من الخبز . وعن أنس رضي اللّه عنه قال : جاءت فاطمة رضي اللّه عنها بكسرة خبز إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : « ما هذه الكسرة يا فاطمة ؟ قالت : قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام » أي فإنه صلى اللّه عليه وسلم كان يبيت الليالي المتابعة طاويا . ولا أكل على خوان قط ، إنما كان يأكل على السفرة ، وربما وضع صلى اللّه عليه وسلم طعامه على الأرض . أي وخطب صلى اللّه عليه وسلم يوما فقال : واللّه ما أمسى في بيت محمد صاع من طعام وإنها لتسعة أبيات . قال الحسن : واللّه ما قالها استقلالا لرزق اللّه ، ولكن أراد صلى اللّه عليه وسلم أن تتأسى به أمته . وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه : كان يمر هلال ثم هلال لا يوقد في بيت من